ابن عربي
23
مجموعه رسائل ابن عربي
فلو أطلعت عليهم غيبا لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، لا نعدامك عند تلك المشاهدة وتعذيبك وسقوط قولك وحل تركيبك فإن سلكت باب المناصحة ، شهدت الحق منك مكافحة ، فتنشد عند ذلك ما يسوق السالك : ولما أتاني الحق ليلا مكلما * كفاحا وأبداه لعيني التواضع وارضعني ثدي الوجود تحققا * فما أنا مفطوم ولا أنا راضع ولم أقتل القبطي لكن زجرته * بعلم فلم تعسر علي المراضع وما ذبح الأبناء من أجل سطوتي * ولا جاء شرا يبطش رافع فكنت كموسى غير أني رحمة * بقومي ولم تحرم علي المراضع لغزت أمورا إن تحققت سرها * بدالك علم عند ربك نافع فإن كان هذا الأمر العظيم في الملك فعند المواجبة والتوجيه الموسي ، فما ظنك بالصراط السوي ، والمسلك المحمدي وفي الصراط السوي إشارة تعبر العبارة وانظرها آية وامارة ، واجعلها زفرا تقتبس ناره ، فإن المزج والعقار بالامتزاج والحلك تريك النار ، وهو أنا إن شاء اللّه أبدا لك من سرائر الكون والمكنون ، ما شاهده المقام والعين ، وما سبب البدء ومن كان أول النشيء ، وكيف كان ذلك الأول مشرق الأنوار ، وينبوع الأنهار وعنه كان العرش والعالم الأوسط والفرش والجماد والحيوان وهو أصل الأكوان ورأيك ذلك كله قد أودعه الرحمن في ذاتك ، وجعله من جملة صفاتك ، فأنت ذلك المثلى المشبه وذلك المثل المنزه ، فإن قلت وأين حظي من التنزيه ، وأين حظه من التشبيه ، فعند المواجهة والتوجيه يتردد كل واحد منكما بين التنزيه والتشبيه فإياك أن تغفل عن فتح هذا الباب المقفل واللّه يحسن عونك وإذا فتح لك أن يديم صوتك وبدايتنا إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب بمعرفة المعبود ، وإنه لا يعرف من ذاته سوى الوجود ، ثم بعد ذلك أتكلم فيما ذكرته ، وأسوق على ما شرطته ، ومنه أمل وبه أستعين وعليه أتوكل وعنه أبين ، فأنا منه إليكم منكم من غير إلي ومن ، وأنا الأمين الحافظ المؤتمن وحسبنا اللّه ونعم الوكيل والحمد للّه رب العالمين والصلاة على خاتم النبيين وسلم تسليما كثيرا .